عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
193
اللباب في علوم الكتاب
وفائدة زيادته تبيّن معنى الأمر في صورة الخبر أي : اكتفوا باللّه ، « فالباء » تدل على المراد من ذلك ، وفي هذا ما ردّ به على الزّجّاج ، وزيادة جعل الحرف زائدا وغير زائد . والثاني : أنّه مضمر والتّقدير : كفى الاكتفاء و « باللّه » على هذا في موضع نصب ؛ لأنه مفعول به في المعنى ، وهذا رأي ابن السّراج ، وردّ هذا بأن إعمال المصدر المحذوف لا يجوز عند البصريين إلا ضرورة كقوله : [ البسيط ] 1758 - هل تذكرون إلى الدّيرين هجرتكم * ومسحكم صلبكم رحمان قربانا « 1 » أي قولكم : يا رحمان قربانا ، وقال أبو حيان : وقيل : الفاعل مضمر ، وهو ضمير الاكتفاء أي : كفى هو أي : الاكتفاء ، و « الباء » ليست زائدة ، فيكون في موضع نصب ويتعلق آنذاك بالفاعل ، وهذا الوجه لا يسوغ على مذهب البصريين ، لأنه لا يجوز عندهم إعمال المصدر مضمرا ، وإن عني بالإضمار الحذف امتنع عندهم أيضا لوجهين : حذف الفاعل ، وإعمال المصدر محذوفا وإبقاء معموله ، وفيه نظر ؛ إذ لقائل أن يقول : إذا قلنا بأن فاعل « كفى » مضمر لا نعلق « باللّه » بالفاعل حتّى يلزم ما ذكر بل نعلقه بنفس الفعل كما تقدّم . وقال ابن عيسى : إنّما دخلت الباء في « كَفى بِاللَّهِ » ؛ لأنّه كان يتصل اتّصال الفاعل [ وبدخول الباء اتصل ] « 2 » اتصال المضاف ، واتّصال الفاعل ، لأنّ الكفاية منه ليست كالكفاية من غيره فضوعف لفظها لمضاعفة معناها ، ويحتاج إلى فكر . قوله : حَسِيباً فيه وجهان : أصحهما : أنه تمييز يدلّ على ذلك صلاحيّة دخول « من » عليه ، وهي علامة التميز . والثّاني : أنه حال . و « كفى » هاهنا متعدّية لواحد ، وهو محذوف تقديره : « وكفاكم اللّه » . وقال أبو البقاء « 3 » : « وكفى » يتعدّى إلى مفعولين حذفا هنا تقديره : كفاك اللّه شرّهم بدليل قوله : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [ البقرة : 137 ] والظاهر أن معناها غير معنى هذه . قال أبو حيّان بعد أن ذكر أنها متعدية لواحد : وتأتي بغير هذا المعنى متعدية إلى اثنين كقوله : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [ البقرة : 137 ] وهو محل نظر . قال ابن الأنباري والأزهري « 4 » : يحتمل أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب ، وأن يكون بمعنى الكافي ، فمن الأول قولهم للرّجل تهديدا : حسبه اللّه ، [ ومعناه : يحاسبه ] اللّه على ما يفعل من الظّلم ، ومن الثّاني قولهم : حسبك اللّه ، أي : كافيك اللّه وهذا وعيد سواء فسّرنا الحسيب بالمحاسب ، أو بالكافي .
--> ( 1 ) تقدم برقم 35 . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) ينظر : الإملاء 1 / 168 . ( 4 ) ينظر : تفسير الرازي 9 / 157 .